السبت، 31 أكتوبر 2015

حرف الميم مع نقطة، لن يجعلك مهندساً !







بعد سنوات عديدة عملت بها في مصانع تكنولوجية ومؤسسات أكاديمية تمتهن الإنتاج العلمي والتكنولوجي المتقدم، عدت إلى فلسطين الحبيبة طوعا ولست مجبرا، يجتاحني الأمل والحب والشغف والرغبة الحقيقية في احداث تغيير، انضممت لطاقم عمل فلسطيني لإنجاح مشروع علمي وهندسي متميز، وفي جلستنا الاولى كانت المفاجأة! 

فبعد الترحيب وكلمات الاطراء والمباركة جاء وقت العمل، فسألت: من سوف ينجز العمل؟ قال رأس القوم: انا وظيفتي أن اعطي التعليمات وأشرف على التنفيذ، وأضاف المهندس الثاني: وأنا من الممكن أن افتح لكم المختبرات للعمل ولكن يجب أن يكون ذلك في  ساعات الدوام الرسمي فقط، وقال الثالث: أنا سوف أراقب العمل وفي حال تعرضتم لمشكلة اخبروني، وقال الرابع: انا مهندس ولست فنياً، إن احتجتم إلى بعض الحسابات الهندسية فسوف احاول المساعدة فيها ان كانت ضمن تخصصي وساعات عملي الرسمية.
سألت بكل سذاجة : ولكن من سوف ينفذ العمل؟ اجاب المهندس المدير انه من الممكن أن نوكل العمل لبعض الطلبة والفنيين لتنفيذه، ولكن هذه أنظمة حديثة سوف نصممها للمرة الأولى فكيف ممكن لغير المصمم أن يفهمها ويبنيها دون أخطاء، فأجابوا جميعا : ليس من اللائق أن يقوم المهندس المخضرم بالعمل التقني! واعتقد لست جازما انهم كانوا يخشون اتساخ اياديهم، او انهم يخشون ألا تنجح تصاميمهم فيكون في ذلك اهانة لهم.


امضيت الاشهر الخمس اللاحقة  انفذ اعمال التصميم والبناء للدارات والانظمة الالكترونية والهندسية وحدي، استخدم مختبري الخاص في البيت، اصمم الدارات المعقدة وابنيها بمتعة، افرح حين تعمل، أزور المنجرة والمحددة والمخرطة وأنا المهندس الوحيد الذي يعمل مع الفنيين في الكهرباء والالكترونيات الذين تعلمت منهم الكثير بحكم خبرتهم ومعرفتهم اللامحدودة بما يمكن تنفيذه وما سيبقى حبيس الخيال بسبب شح الامكانات او الخبرات او أخطاء محورية في التصميم، اما طاقم المهندسين فقد اجتمع مرة كل اسبوع لمناقشة خطط العمل واعطاء التعليمات لي ولزملائي الفنيين، والنقد لما تم انجازه وطبعا المزاودة والتباهي بإمكاناتهم الرفيعة لو انهم هم من يعمل، وفي بعض الأحيان تقديم النصائح النظرية والتي ليس بالضرورة يمكن تنفيذها عمليا!

ربما كانت هذه أول الصدمة هندسية اتعرض لها في المجتمع العلمي والهندسي الفلسطيني، أن تكون مهندسا كما عرفت واعتدت عليه سابقا هو أن تحرق يدك وانت تستخدم كاوي اللحام، أن تدمن رائحة القصدير بعد شوائه على لوحة البناء ، أن تعشق الترانزيستور وتحترف البرمجة العملية لوحدات معالجة المعلومات المركزية، وأن تجيب اصدقاءك بلغة الاسمبلي التي تتحدثها الآلات عندما يسألونك عن معضلة ما، أن تبتهج وتوزع الحلويات عندما تنجح بتشغيل اي نظام الكتروني هندسي تصممه للمرة الأولى ويحل مشكلة بطريقة ابتكرتها بنفسك، قال لي احد الاساتذة الذين علموني الحياة الهندسية يوما ما وكان يملك عدة براءات اختراع عالمية ويعمل مستشارا لأربعة شركات تكنولوجيا عالية المستوى : " لن تصبح مهندسا ان لم تحرق يدك، كما الطبيب الجراح، لن يصبح جراحا حقيقيا قبل أن يمسك المشرط، لا يولد المهندس مستشارا وفي أغلب الاحيان يقضي عمره يتعلم حتى يصبح كذلك". 

رافقني هذا القول ولم افهمه حتى بدأت تجربتي بالعمل مع مهندسي بلادنا، وايقنت بعد التجربة اننا نعلم مهندسينا شيئا في كل شيء ولا نعلمهم كل شيء في شيء واحد، فيصبحوا منظرين أكثر منهم مصممين ومنفذين، اما على المستوى المجتمعي فإن البعض يقبل للهندسة ليس لأنه يمتلك الشغف اللازم للنجاح بل لأن علاماته في امتحان الثانوية العامة والتي حصل عليها بناءً على حفظه لكتب التوجيهي من "الجلدة للجلدة" تؤهله لتعلم الهندسة ليس إلا. وكيف له أن يلتحق بكلية التجارة أو الآداب التي يعشقها وهو حاصل على علامات تصنفه بالأحرف التي تسبق اسمه لاحقا؟

اكتشفت اننا بالغالب نعلم الهندسة ليحصل الخريج على اللقب ويضاف حرف الميم مع النقطة الى اسمه كما حرف الدال للاطباء، ولكن عن ممارسة الحياة الهندسية والعلمية والعيش بها حتى تصبح نهج حياة، فهذا تحدي وامل وحلم يجب ان نستثمر كل ما يمكننا لتحقيقه.
وبعد تجارب عديدة لتبني مهندسين قبل تخرجهم او حديثي التخرج ليحصلوا على فرصة لممارسة الهندسة المنتجة، عمل مؤخرا في مختبري الخاص طالبان مبدعان، لهما امكانات يمكن تطويرها والبناء عليها ليتخطوا حاجز الالقاب، وبعد الاستثمار المادي والمعنوي والمهني بهما، قرر الاول ان يعمل بعد التخرج والحصول على حرف الميم قبل اسمه الاول في دكان لبيع الملابس الجاهزة والذي يملكه والده، واختفى الثاني عن الانظار بعد ان حصل منا على شهادة خبرة تؤهله للحصول على وظيفة مثل تلك التي يشغرها المهندسون الذين عملت معهم آنفاًفي هذه البلد.

ربما حان الوقت لنلتفت الى بناء الكوادر العلمية والهندسية المتواضعة، ان نساعدهم على امتلاك المعرفة الحقيقية، ان نفهم نحن ونساعد الجيل الهندسي القادم على الفهم والايقان ان العلم والهندسة هي عوالم لا يمكن ان نأمن جانبها، فهي ديناميكية تتغير بسرعة كبيرة وعلينا مواصلة مسيرة التعلم حتى نتمكن من اللحاق بالركب، ان الالقاب ليست هي من تصنع المعرفة ولا الثروة، والاهم من كل ذلك ان نتواضع حتى نرتقي فمن لم يحرق كلتا يديه وهو يبني الدارات الالكترونية، في رأيي لن يصبح جديرا بلقب المهندس ابدا ولن يستطيع ان ينصح احد بشيء هو نفسه لا يمتلكه.

الجمعة، 30 أكتوبر 2015

E استونيا - E فلسطين؟



عندما سألت وزير التعليم في استونيا : كيف نجحتم ببناء اقتصاد قوي بواسطة تكنولوجيا المعلومات؟ 

أجاب: كنا محظوظين أننا قبل ٢٠ عاماً وبعد التحرر من  قيود الاتحاد السوفيتي السابق عام ١٩٩١م، لم نكن مهمين في هذا العالم فلم يهرول حولنا الممولون لتمويل مشاريعنا بأجنداتهم، ولم نكن نمتلك ثروات طبيعية سوى عقول أبنائنا…
استونيا، بلاد بعيدة عن مركز العالم القديم والجديد، تقع حول بحر البلطيق، روسيا وليتوانيا ولاتفيا من حولها وفينلندا تبعد عنها ٧٠ كم بحراً، لا يزيد عدد سكانها عن ١.٤ مليون نسمة، ويجتاحها البرد القارص ثمانية أشهر بالسنة.
خرجت من فقرٍ مطقع كان يهددها قبل ٢١ عاماً واليوم تعد من أكثر الدول تقدماً في تكنولوجيا المعلومات .


احتلت استونيا المرتبة السادسة في العام ٢٠١١ في نسبة استخدام الانترنت على صعيد الدول الأوروبية  التي وصلت إلى ٧٦٪، وبذلك سبقت دولاً كبيرة كفرنسا على سبيل المثال، وتخطت المعدل العام الأوروبي الذي لا يزيد عن ٥٨٪، أما على صعيد الشباب فقد بلغت نسبة مستخدمي الانترنت الذين تقل أعمارهم عن ٣٥ عاماً ٩٨٪، وعندما نتساءل كيف نجح الاستونيون بإنشاء شركات تكنولوجيا معلومات عالمية مثل السكايب Skype ؟ كيف نجحوا بإجراء أول انتخابات إلكترونية في العالم وكانت نسبة المصوتين عبر الانترنت ٢٤.٥٪ من الشعب مما شكل بداية التأثير الجدي على المناخ السياسي؟ كان الجواب قاطعاً وواضحاً… السر يكمن بالتعليم.
بدأ برنامج استونيا في توظيف التكنولوجيا بالتعليم بقرار حكومي واضح  عام ١٩٩٧م، وينص هذا القرار على إعطاء التكنولوجيا الأولوية الأولى، وهذا ما قد حصل فخلال السنوات الأربعة الأولى من عمر البرنامج الوطني تم تجهيز كافة المدارس بالبنية التحتية وربطها جميعها بشبكة الانترنت وتدريب جميع المعلمين خلال ٨ ساعات فقط على موضوعين أساسيين: الأول: جهاز الحاسوب ليس مخيفاً ولا يهدد أحداً، والثاني : استخدام هذا الجهاز مفيد ويمكنه تسهيل الحياة.
كان ذلك في العام ١٩٩٧م في وقت لم تكن الحواسيب منتشرة كما اليوم، ولم تكن البنية التحتية والتواصل الإلكتروني رخيصاً أو متاحاً بسهولة، والمهم في الموضوع أن الحكومة أقرت السياسة، ووضعت الرؤية ولم تدفع شيئاً، فقد كانت المصلحة العليا في تمويل العملية ترجع إلى القطاع الخاص - خاصة القطاع المصرفي وقطاع الخدمات وشركات الحاسوب المحلية- حيث قامت البنوك والشركات الخاصة العاملة في قطاع التكنولوجيا وصناعة المعلوماتية بتمويل البرنامج بالكامل لأنهم على يقين ان هذا الأموال بمثابة استثمار سيترك أثراً على التوفير المستقبلي في بنيتهم التحتية ومصاريفهم الجارية، فعلى سبيل المثال بعد إطلاق الخدمات البنكية الإلكترونية بالكامل في استونيا لم يعد من الضروري أبداً زيارة فرع البنك، لذا فقد أغلقت البنوك عشرات الفروع ووفرت مئات الرواتب الشهرية وقلصت في ميزانياتها الجارية، وفي الوقت ذاته حافظت على زبائنها ورفعت الكفاءة والسرعة في تقديم الخدمات، وهنا يأتي السؤال التقليدي: وماذا عن البطالة؟ مع الخدمات الإلكترونية المتقدمة التي تقدمها الحكومة، لا حاجة أيضاً لزيارة الوزارات والدوائر الحكومية، وعلى صعيد الأعمال خاصة يمكن لأي مواطن فتح شركته الخاصة والحصول على كافة التصاريح إلكترونياً خلال مدة أقصاها ١٨ دقيقة، كما يمكنه دفع الضرائب المستحقة وإجراء المخالصات التجارية الضريبية عبر شبكة الانترنت أيضاً، ويمكنه بيع الخدمات وحتى المتاجرة إلكترونياً وجني الأموال داخل وخارج استونيا كما تدرب وتعلم منذ نعومة أظافره في المدرسة. وأما عن الثقافة المجتمعية فإن الحكومة استثمرت ١٪ من ميزانيتها السنوية فقط في رفع مستوى الوعي فباتت تبث هذه الرسالة وتنشرها في كل مكان، كما وعقدت آلاف الدورات لمئات آلاف المواطنين منذ العام ٢٠٠٢ وحتى العام ٢٠١٢. واليوم  E  - استونيا أصبحت حقيقة قائمة، حولت استونيا من دولة فقيرة هامشية إلى دولة تصدر المعرفة وتجني منها الأموال الطائلة.
أكتب هذه المقالة وأنا أرافق مجموعة من مدراء المدارس والمعلمين الطموحين بالتغيير في زيارة تدريبية حول استونيا،  للتعلم من التجربة وزيارة عدد من المدارس والجامعات التي خرجت جيلاً كاملاً يؤمن بالتكنولوجيا كأداة اقتصادية فاعلة، نتجول بين المدارس لنرى طلاباً غير مدمنين على الهواتف الذكية لكنهم يعلمون حق المعرفة كيف تعمل، لا يشتري الطالب هاتفه الذكي بل يستعيره من مكتبة المدرسة وهو يعرف كيف يستخدمه في تطبيق خاص بعلم الأحياء، يحمل الجهاز ويتجول في الحديقة المجاورة للمدرسة يصور ورق الشجر والحشرات، ويقوم التطبيق المصنع محلياً على يد مجموعة من الشباب التي أسست شركتها الخاصة لإنتاج التطبيقات العلمية بتشخيصها وتوفير المعلومات والمقارنات التقنية، يعود بعدها الطالب ليعد ورقة البحث الخاصة به وتحميلها عبر موقع خاص يتشارك فيه مع معلمه، كل منهم حسب صلاحياته، ليبدأ النقاش ويتم تقويم الأداء، وبعدها المناقشة الصفية وجهاً لوجه. ندخل الصفوف التعليمية لنشاهد طلاباً لا يحفظون بالضرورة جدول الضرب عن ظهر قلب لكنهم يلعبون بالمعادلات الرياضية ويوظفونها في الحياة اليومية. وبعد أن نخرج من كل زيارة لمؤسسة أكاديمية يبدأ النقاش بيننا : ماذا نحتاج كي نقترب من هذا المستوى ؟ يعلو دوماً موضوع العائد المادي والراتب الذي يحبسنا داخله، لكن راتب المعلم في استونيا هو أيضاً الأدنى على مستوى البلد ولا يزيد عن ٧٠٠ يورو أي ما يعادل ٣٥٠٠ شيكل، وهم أيضاً يطالبون بالزيادة وفي بعض الأحيان يضربون عن العمل من أجل ذلك، لكن هذا لا يعيق المسيرة، لا علاقة بين ما يتقاضاه العامل وبين جودة العمل الذي يقدمه وهذه القيمة الأولى التي يجب علينا استعادتها لنبدأ بنسج قصة نجاحنا، وكل ما نحتاجه في نظري هو الرؤية الثاقبة لدى الإدارة التربوية والمحاور الاقتصادية الفلسطينية، نحتاج إلى بناء الثقة، لأن ما نختلف به عن الاستونيين كلياً أن الوضع الطبيعي لديهم هو الثقة بالخبرات المحلية والاعتداد بها  وثقافة الأمانة وتفضيل المصلحة الجماعية التي لا تتعارض مع المصلحة الشخصية، في حين أننا نبدأ علاقاتنا بالشك وحجب الثقة وربما التخوين والمزايدة في بعض الأحيان، والمخرج في نظري يقتضي أيضاً أن نبني الشراكة الحقيقية بين جميع القطاعات حسب أجندة وطنية تكون فيها العلاقة السائدة هي علاقة نجاح-نجاح، وليس فشل الآخر هو النجاح .



م. عارف الحسيني
aref.husseini@gmail.com

iT is Hard to Memorize.. easy to Innovate


Ten years ago, I took one of the easiest decisions of my entire life: quitting my comfortable job in High-Tech , though right before that I earned a huge amount of money for a patent that didn't carry my name. Needless to say that this patent was an innovative solution that rescued a project.  I argued with my boss,  who was extremely arrogant as he smiled at me weirdly saying: "be grateful for what you have. In Palestine you will not find what to do."

That conversation led me to resign and invest my time in searching for " what to do". It wasn't a surprise to find out that my arrogant boss was right. Aside from few people who exerted some efforts individually; there was not a single institution or an organization in Palestine working sustainably on innovation and creativity giving it the necessary industrial and production depth.

Ten years of many successes; disappointments too. Among the many disappointments I encountered was when I "committed" an attempt to register a nonprofit organization that supports young innovators and their creative ideas and developing them to become competitive ventures labeled with "Made in Palestine" . I approached the Palestinian NGO's registrar  in Al-Ram (north to Jerusalem)  at the ministry of interior, the officer then took his time laughing loudly and blowing off his cigarettes to my face. This very incident delayed registering Al Nayzak for Supportive Education and Scientific Innovation with the Palestinian Authority till 2009.

However, the work was not delayed for one single day!

In 2004 we had the first exhibition for young innovators. We only received eight applicants, which by default made the number of accepted applications also eight. I didn't have the nerve to decline any idea no matter how silly it is. It was obvious that we are attempting to establish a trend that is totally new to our community. One of the most difficult challenges was to invite female talents to participate in this field. For example, in 2003 and while we are preparing for the first training for  entrepreneurs, a lady with her father walked into the training hall. When her father noticed the eight participating males, he immediately pulled out his daughter and left. I had no other choice but to organize the trainings in her house converting a space in her parent's basement to a workshop area. Three years later, the same lady won the third place in the "Made in Palestine" competition, which opened up greater horizons for her!

I believe that one of the most important achievements for innovation in Palestine, which is fundamentally growing with collective efforts during the past few years, is the slow change in the Palestinian collective awareness that started drawing question marks on traditional education. The new trend is trying to  position itself in the right spectrum, ensuring that excellence in life is not associated with a great memory capable of retrieving information at a glance in an examination room, and that this person only deserves to be incubated, commended and supported.

10 years ago, no one had a doubt to throw at the known path for success. Likewise, there is no fundamental social or educational investment in innovation and entrepreneurship. But steadily it is a method in progress. I believe we are currently witnessing a historical detour to an innovative path identified with the success to transform the educational system from being only based on strong memory to a more analytical and critical thinking approach. We are not in need to create a generation in competition with the computer's "hard-desk". Rather, we are now at a stage to prepare a generation capable of processing, developing and analyzing information, which will lead this generation to become productive and innovative.

76 NGOs were established in Palestine during the recent years. All of them embrace creativity and entrepreneurship and an identified vision and mission.  In addition, a presidential decree inspired the establishment of a higher council for innovation and creativity. Numerous awards and competitions were also launched in recognition to innovative and entrepreneurial initiatives, in addition to giving them financial support whether as grants or loans, and maybe integrate some of the successful initiatives in specialized monitoring and follow up programs to ensure continuity. Academia has also shed interest on that field and now we see universities developing specialized courses in that field, opening technology centers and incubators to support undergraduates.

Some say that innovation and entrepreneurship is a trend in Palestine at this time and that it will fade similar to other trends such as human rights, gender and women issues organizations. Only handful of organizations remain till to date, believing in its mission and equipped with knowledge and achievements to sustain. This is all good but it is important to bring innovation and creativity as the number one issue to the community, an approach that will cause the radical change in the culture and of course won't fade away  when a trend dies.

however, and with all these efforts there is still confusion and results are still humble when compared to the quantity of announcements, celebrations and institutions calling for supporting Palestinian innovation?

So, Why?

It is important to look at certain cases in order to review the methodology and strategies adopted to support innovation. Young Palestinian entrepreneurs became a well known classified community whose members have the same applications to who looks for participants and they compete over the same awards and the same media and the same opportunities for incubation and initiative. the Palestinian Community is small so as the community of entrepreneurs, which is a worldwide issue. This is, I recon, is the result of the absence of a structured educational system that enhances individual's ability to generate new ideas and process them.

Shall we discuss the organizations and institutions launching initiatives to support innovators and creativity among youth? In fact most of them transformed into training centers to build capacities of those who apply to their programs, allocating funds to cover the expenses of trainers and business plans consultants. Another batch of institutions invest its funds in media campaigns and in organizing huge galas in recognition of creativity and innovation. Sad to realize that this wasted fund can cover the expenses of numerous startups, including supporting entrepreneurs technically and financially during the incubating phase. Apparently everyone tends to ignore that these Palestinian innovators and entrepreneurs are normal beings who have commitments to cater for. It is a regret that they are, somehow treated as icons to shine in media and on stages!  
As we are analyzing the needs of the Palestinian entrepreneurial system; we have to also discuss the role of investors and businessmen who until to-date prefer to invest in fast winning businesses such as properties. They haven't yet considered investing in new ideas where the margin of risk is higher regardless of the fact that it also has the opportunity to tap into new markets. We hope that one day Palestinian investors  will seize the opportunity in each innovative idea, not only the risks.
Building the Palestinian national economy under the restrictions of occupation requires knowledge creation in addition to supporting and developing young companies functioning in new fields afar from the areas controlled historically by well known businessmen. The new markets must depend on innovation and creativity in handling different ideas with a vision to enter to regional and global markets. It must grow on the norm and depend on modern technologies with a focus on IT and software that can reach everywhere regardless of the restrictions of the occupier.
Palestine will not be a recognized state unless we became knowledge creators and contributed to the human civilization as a people not only individuals, who when they excel they might be identified as "with Palestinian origins" and their success is referred to the country of their residence.
I have faith in the future generations that it will use the technology and information revolution abandoning traditional education and its tendency to only memorize data. I have faith that these minds will become creators for knowledge but we have to give them the space and path they desire. We're obliged to repair our educational and social systems today so the entrepreneur, the innovator and the talented grants the opportunity to spend his youth years in developing ventures and startups offering more job opportunities and thus contribute to the national economy and its GDP.

I believe that we've taken real steps towards achieving our objective. But this is a collective effort  and we have the obligation to design a strategy that cater for entrepreneurship in Palestine that invites different institutions to contribute to its success with its knowledge and capacities.


 aref.husseini@gmail.com

The Magic of Palestinian Scientific Talent


It was the beginning of the year 2008, in a small room at the Arab Science and Technology Foundation in Ad-Doqi neighborhood, Cairo. Eight professionals from a number of Arab universities and scientific organisations gathered together for the Arab region’s first-ever event that focused on engaging youth in spreading the culture of scientific innovation and supporting Arab youth in this field. There were representatives from various Arab countries, but after brief introductions, we realized that the representative of the United Arab Emirates was originally a Palestinian, the representative of Jordan was originally a Palestinian, and, of course, the representative of Palestine was a Palestinian. I am not sure why, but I think after losing our land in the 1948 Nakba, and losing our hope in the 1967 Naksa, our priority became educating our people to confront the realities that depend on human capacities.

Together as representatives we held the “Made in the Arab World Competition” in 2009, and the Palestinian participants experienced huge success by winning four of the seven prizes. This success wasn’t granted out of sympathy for the ever-needy occupied people; it was fully earned after years of serious efforts and work that were initiated in 2001 by Al Nayzak Organization for Supportive Education and Scientific Innovation, which resulted in a number of quality projects. During the past five years, the concept of scientific innovation and entrepreneurship has become a window of opportunity for Palestinian youth to launch their efforts in the business market, initiating a process of creating job opportunities. Furthermore, a number of Palestinian organisations were established by gathering money from capital donors and setting the standard of caring for scientifically and intellectually talented Palestinian youth. Such standards reached the highest level with the PA’s decision to establish the Higher Council for Innovation and Creativity in September 2012.
It is not just by chance that we, as Palestinians, find ourselves to be the people most interested in talent in the region. Regardless of the absence of a holistic system to incubate it, there has been a true effort to honour this talent. Thankfully, time has diminished the stereotype of academic education being the only tool to secure a job, which typically revolved around three majors:  medicine, engineering, and law. On the other hand, Palestine has witnessed a strong and growing interest in unique and quality specialisations that are based on will and talent. This approach is what needs to be developed in our Palestinian society in order to transform it from a society of names and titles to a society thriving on knowledge and talent.
Talent should be accompanied by practice and constant training and knowledge, after which accomplishment will follow. Every day at Al Nayzak, we welcome a handful of parents at our offices in Jerusalem, Ramallah, and Gaza who believe that their children are talented. Parents then have the option to include their children in the Talented Students Incubators programme, the Young Researcher programme, or other scientific talent-fostering programmes managed by the organisation. In most cases, the parents know that we assess their children’s scientific abilities and talent. However, one question remains: Who is willing to pay the price of investing in talent, and at what expense? Here we are not addressing a financial question but rather a question of principle. Would parents accept the fact that their children would not receive the highest grades in schools that follow the traditional memorisation system? Would they accept that their child receive a lower grade than the neighbour’s child who is in the same class? Would they do such a thing simply for the sake of growing their child’s talent in electronics, physics, arts, or other fields? Would a mother agree to announce to the mothers of other children in her child’s class that her child is not ranked in the top ten in school but that the child is the first in his/her violin class? The answer is most likely no.
It is no secret that our society and prevailing culture like to brag about our youngsters’ talent while they are still young. But once this subject starts to affect the traditional professional path, the majority of the community retreats to investing in the traditional path at the expense of investing in talent, since this is what the people are accustomed to do.
In our special case, the Palestinian people are still humbly competing with their unique ideas, but nevertheless, they are renowned for their outstanding capacities despite living under constant closure due to the occupation, a shortage of resources, “neither war nor peace” conditions, and an unclear political vision in terms of upbringing for excellence. In addition to the conflicting interests of the traditional business market, pioneering ideas that call for change and entry into the world of entrepreneurship are based on know-how, informatics, and modern trade and industrial systems. The best example would be the success of Ahmad Ramahi, a young Palestinian innovator from Salfit, in the northeastern part of Palestine, who started as a participant in 2010 at Al Nayzak’s “Made in Palestine” programme which supports innovators. He quickly excelled and won awards at the national and regional levels where he also participated in the Stars of Science TV programme on MBC4 – an initiative of the Qatar Foundation.
I remember when Ahmad Ramahi was accepted into the Stars of Science programme. He entered my office and his mind was filled with doubts and questions. He said: “In order to participate in the programme in Doha, I have to quit a stable job at the university. I have to change my life, leave the country, and stay without a salary. I can afford all this but what will I tell my mother? How will she accept the idea of my giving up my position as a university lecturer to be an inventor on TV?”
Ahmad didn’t really advance on the show and was eliminated in unusual circumstances by the Arab jury even after his success in solving the majority of the complicated engineering problems, according to the jury itself. However, once the show ended, he moved on, not only because he is an excellent engineer, but because of his passion and determination to succeed. Why didn’t the Arab committee want to keep him in the programme despite his excellence in terms of ideas and techniques? It may be due to the aforementioned Palestinian conditions that do not facilitate success when all interests and selection criteria overlap and collide at the same time. At this point, talent rests aside.
Ahmad Ramahi, and his business partner Hassan Jaddeh, with the support of Al Nayzak, were able to develop the innovative idea of transforming every white surface into an interactive educational platform into an industrial business named Concepts Co. At the company, both individuals then started to produce and market an idea that turned into a product in the local and Arabic markets. The company also works on innovative technological solutions in the field of IT and cyberspace. Ahmad’s mother was able to overcome the momentary crisis of her son’s not following the traditional path and also started to like the idea of his being an entrepreneur and businessman instead of a university professor. This, however, might not appeal much to the surrounding community.
In our Palestinian and Arabic reality, everyone is racing to honour innovation and entrepreneurship. We all attempt to reap the fruits of a non-existing tree. We applaud and honour talented people, building on previous stereotypes that individuals who are born with talent are able to bypass the stage of latency and jump ahead into the stage of generating ideas and finding solutions all on their own. But to plant the tree of sustained systematic innovation, we have to start from an early age, which can only be done through education.
I believe that we should commit to reforming the current education system – school or higher education – which is fully incapable of producing talented people given that our society believes only in the traditional life path: school, tawjihi, academic education, job, building an apartment on top of the family house, marriage, children, forcing the children through the same path, and so on. Therefore, we find that all our local innovations, which start in the fields of science and technology, begin to disappear after the recognition ceremony.
The real Arabic and Palestinian challenge lies in founding a scientific community that is able to grow, a society that looks ahead and is not afraid of confrontation and does not enjoy being only a consumer of technology, but rather a society that truly wishes to contribute to the futuristic scientific and technological civilisation.
This is the challenge. And in order to build a productive, knowledge-based society, we need more than ever to change the prevailing educational system from that of memorisation and indoctrination, for knowledge should no longer be trapped in school text books. We are able, nowadays, to easily access the information we seek whether it be through the Internet or smart phones. The real questions that remain are: How do we interact with this knowledge? And how do we employ such accumulated information, skills, and analytical abilities that achieve deep and ultimate understanding of the support and implementation of innovation that we store as knowledge capital? The magic of talent may start with giving up fear, because undoubtedly, terrified people cannot innovate.

Aref Husseini is an electronics engineer, physicist, and novelist. He is the founder and general manager of Al-Nayzak Organization for Scientific Innovation. In 2011, he was elected vice chairman of the Institute of Electrical and Electronics Engineers (IEEE)-Palestine Subsection.

aref.husseini@gmail.com

أما بالنسبة للإبداع .... فلا يمكن أن يبدع الخائفون




"إن الحياة تبدأ وتنتهي والقوى العظمى تعلو وتهبط لكن الأمم عبر التاريخ هي التي تصنع المستقبل...إما مستقبل مضيء أو مستقبل مظلم، الأمر يتطلب القيادة الحكيمة التي تمتلك البصيرة، حرية الفرد والإيمان مع عدم الاستخدام الخاطئ للدين، والشعوب تقرر :إما مستقبل فيه المحمول و"النيو لوك"أهم الأساسيات، أو مستقبل يكون فيه الرخاء الاقتصادي والفكري والبحث عن المعرفة هي الأساسيات"                         د. أحمد زويل / كتاب عصر العلم

حصل العالم المصري أحمد زويل على جائزة نوبل للكيمياء للعام 1999 عن أبحاثه  التي وضعت علم الفمتو ثانية بين العلوم الحديثة، هذا العلم الذي فتح المجال لمشاهدة الخلايا وهي تتكون، والروابط الجزيئية وهي تتشكل وتتفكك في زمن لم يكن ذلك معروف قبله، وها هو اليوم يعد أبحاثه باستخدام المجهر ثلاثي الأبعاد، والذي بواسطته يأمل العلماء بالتعرف على ما تبقى من أسرار الحبل الجيني.... ولعل أهم ما لفت انتباهي في د. زويل جملته  أما بالنسبة للإبداع.... فلا يمكن أن يبدع الخائفون".

والخائفون في نظري هم ليسوا أولئك المقموعين من سلطات تحكمهم فقط، بل الخوف الحقيقي هو الخوف الداخلي من الفشل أو الجوع أو الاختلاف أو الانكشاف والأدهى من ذلك هو خوف مدعي المعرفة من الجهل الذي لا يعرف عن وجوده داخله سواه.
يكابر الكثيرون من  التربويين والمثقفيين والأكاديميين ورؤساء الجمعيات وقادة المجتمع المدني وملوك الأروقة السياسية ويدعون المعارف المطلقة، بالرغم من شح الوقت لديهم للخوض بالتفاصيل المهمة، حتى لو وجد الوقت فإن "ضيق الخلق" يمنعهم، وإن وجد الوقت والخلق فإن "الأنا" العليا تتدخل لتصف البحث المتواصل عن المعرفة بالإهانة الكبرى، فتراهم يكتفون بقراءة الملخص على الغلاف الخلفي لأي كتاب، ويمرون سريعاً على الأخبار الصحفية والمجلات ليطلقوا الفتاوى وكأنهم جهابذة العصر.

وفي واقعنا الفلسطيني يتسابق الجميع إلى الإبداع والريادة، وتتهافت المؤسسات الرسمية والأهلية على قطف ثمار شجرة غير موجودة أصلاً، فالجميع يريد أن يكرم المبدعين بالجوائز أو يتبناهم على فرض أنهم ولدوا مع الموهبة وتخطوا مرحلة الفكرة وحدهم، وأنهوا فترة الكمون وحدهم، وأتوا بالحل العظيم "يوريكا" والآن هم بحاجة فقط إلى من يأخذ بأيديهم نحو تغيير حياتهم بتحويل ما توفر لديهم من مواهب بالفطرة والصدفة إلى مشروع ناجح حسب معايير المستثمر أو الممول.

كل هذا في ظل وجود نظام تعليمي مدرسي وجامعي عاجز تماماً عن إنتاج المبدعين،  ومجتمع محلي محيط لا يؤمن إلا بالمسار التقليدي في خط سير الحياة: مدرسة-توجيهي- تعليم أكاديمي- وظيفة- بناء بيت فوق دار العائلة- زواج- أولاد- تربية على نفس المسار وهكذا تواليك....  لذا نجد أغلب الإبداعات المحلية المبتدئة في العلم والتكنولوجيا تتطاير بعد انتهاء حفلة التكريم.
جميعنا يدعي أن فلذة كبده متميز ومبدع وفي رأيي الغالبية العظمى منا واهمين، ولكن ماذا بالنسبة للأقلية المبدعة حقيقةً؟ كيف نريدهم أن يصقلوا الموهبة دون وجود إطار يدعمهم داخل المدرسة التي تشغل معظم وقتهم، ومع إصرار الأهالي على أن يقوموا بكافة واجباتهم المدرسية وأن يحققوا العلامات الكاملة وأن يتفوقوا في النظام التقليدي التحصيلي والذي لا شأن له بإبداعهم؟ وبعد ذلك كله نريدهم "في حال توفر وقت وطاقة " أن يهتموا بالموهبة والإبداع، من منا يقبل عن وعي واختيار أن يكون ولده متوسط في المدرسة ولكن مبدع بالميكانيك؟ ومن يرضى أن لا تتقدم ابنته لامتحان الجغرافيا بسبب تزامن يوم الامتحان مع حفلة العزف على الكمان الذي تعشقه؟

نحن نتعامل مع موضوع رعاية الإبداع والريادة وتحويل المجتمع  إلى مجتمع معرفي يؤمن بالإنتاج وكأننا نخترع العجلة من جديد، وننسى تجارب الآخرين مثل ماري روبنسون في إيرلندا، وتجربة سنغافورة والهند ومهاتير محمد في ماليزيا، ونتمنى أن ننشر بعد عشرين سنة " تجربة فلسطين" ، دون ان نبني رؤية سيايية واقتصادية واجتماعية موحدة لذلك.
مهاتير محمد الذي حول ماليزيا من دولة عالم ثالث فقيرة إلى دولة لها وزنها في الصناعة والاقتصاد خلال أقل من عشرين سنة، أصدر رؤيته الحكيمة والتي سمّاها "ماليزيا 2020 " في ورقتين لا ثالثة لهما، بدأهما في حلم أن يولد ماليزي اليوم لا تكون ماليزيا دولة نامية عندما يكبر ، وتلى ذلك بتسع نقاط تلخص كيفية تحويل البلد إلى ما يصبو إليه، أود أن أتوقف عند النقطة السادسة وهي محور حديثنا وهي ما اختص، وأحلم به:
"التحدي هو بإنشاء مجتمع علمي قابل للنمو، مجتمع مبدع وينظر للأمام وهو ليس مستخدم فقط للتكنولوجيا، بل قادر أيضاً على المساهمة في الحضارة العلمية والتكنولوجية المستقبلية".

ولكن لا يمكن تحقيق هذه النقطة إلا ببنائها على أسس أخلاقية عامة وقيم نؤمن بها ونمارسها، أهمها الأمانة العلمية وحسن تقدير الذات. لتكون تلفظاتنا وتصريحاتنا بحجم معرفتنا الحقيقية وليست متضخمة حتى حدود الخيال العلمي.
هذا هو التحدي في فلسطين أيضاً، ومن أجل إنشاء مجتمع المعرفة المنتج،  نحن أحوج ما نكون إلى تغيير النظام التعليمي السائد ليبتعد عن التلقين والتحفيظ وينتقل إلى الفهم والتحليل لأن المعارف لم تعد حبيسة الكتب، وكل معلومة نحتاجها يمكننا أن نحصل عليها بسهولة فائقة عبر الانترنت، وفي أي مكان نكون فيه بواسطة الهواتف الذكية، ولكن يبقى السؤال المطروح هو: كيف نتعامل مع هذه المعلومة؟ وكيف نراكم كماً من المعلومات والمهارات والقدرات التحليلية التي تحقق الفهم العميق والمطلق من أجل الإبداع والإتيان بالجديد الذي ندخره كرأس مال معرفي.

في رأيي يبدأ الحل بتربية النخبة المحلية على الامتياز وليس على الكمال، ولا نقصد هنا تلك النخبة البرجوازية أو السياسية بل النخبة التي تمتلك المهارات الأساسية والموهبة الحقيقية ( والتي تعد أبرز متطلبات الحل) بغض النظر عن المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي، وتبدأ مسؤوليتنا باكتشافهم منذ نعومة أظفارهم ووضعهم في إطار رسمي يحترم تفكيرهم ويلبي رغباتهم ويربيهم على خدمة الوطن وعشق ترابه من خلال الفهم لا التحفيظ، وأن نوجههم لتعلم المهارات القيادية في ميادين مختلفة حسب ميولهم وبالتنسيق مع حاجات دولتنا المستقبلية من خلال خطة دقيقة ورؤيا نافذة، وأن نمنحهم المعرفة الحقيقية بدقائق تخصصاتهم وأن نسهل طريقهم وندعمهم للالتحاق بجامعات عالمية مرموقة تصقل معارفهم، وأن نعيدهم بعدها ليلتحقوا بمؤسسات الوطن بوظائف قيادية يستحقونها بكفاءاتهم لا بالواسطة والمحسوبية، وان يحصلوا على ما يستحقون من احتياجات الحياة الكريمة حتى يتخطوا حواجز الخوف الداخلي والخارجي.

إنني أؤمن بالمرحلة التاريخية التي تمر بها مسيرة بناء دولتنا الديمقراطية المستقبلية والتي يحترم فيها بعضنا الآخر بعيداً عن القبلية والحزبية وصغائر الأمور، وهذا لا يبنى إلا بالأفراد الذين يتقاسمون الحلم، وللأسف هم ندرة نادرة في الوطن، وهم أصلاً  وإن وجدوا لا يشاركون باتخاذ القرار لأنهم ليسوا في دائرة القيادة، ربما لأننا ما زلنا نختار قياداتنا بناءً على ما فعلوه في الماضي وليس على ما يستطيعون فعله في المستقبل.
هذا البرنامج سوف نقطف ثماره بعد خمسة عشر عاماً على الاقل، عبر مسيرة تخلو من الاختصارات والقفزات عن أي مرحلة من المراحل، ولكن النتائج هي بالضرورة مضمونة. تتطلب هذه المرحلة أن نتبنى آلاف الموهوبين في أطر خاصة دون البهرجة الإعلامية، وأن نرافقهم بعلم وحذر حتى يتخطى نصفهم جميع المراحل ويعود ربعهم ليبني فلسطين الحقيقية التي نتمناها، فتخيلوا ما يمكن فعله مع ألف عالم فلسطيني في مجالات مختلفة مشبّعين بالوطنية ولا يمكن شراؤهم أو المتاجرة بمواقفهم، ويدينون بما وصلوا إليه للدولة التي صنعتهم.

بعد خمسة عشر عاماً، ربما لن نكون موجودين ولكن واجبنا التاريخي يحتم علينا أن نبذر بذور المستقبل، لقد اختار الشعب الفلسطيني طريق الاستقلال والتخلص من الاحتلال، ورفض أن يمحى أو يذوب في شعوب ودول أخرى، ولقد رفعت القيادة السياسية راية بناء المؤسسات ولا أعتقد أن هناك اثنين يعارضون المبدأ، ولكن المؤسسات تحتاج إلى البشر حتى يرفعوها، وهي ليست فقط شراء المباني وتأثيثها ونصب اليافطات على ابوابها، خاصة أن الخامة البشرية المتوفرة اليوم والتي ننتجها بنظامنا التعليمي والاجتماعي الحالي لم ولن تلبي الحاجة، ولا يمكن استيراد خامات بشرية دائمة أبداً، في هذا الوضع المتزايد في التعقيد نحتاج إلى تذويت حبنا لمن لم يولد بعد، ولا نستطيع التقدم دون الايمان واتخاذ القرار بأن هناك ناتج بشري أفضل يمكننا انتاجه لأن المؤسسة الحقيقية ترفعها العقول والأدمغة وليس الجرافات والابنية.
م. عارف الحسيني
aref.husseini@gmail.com

الخميس، 29 أكتوبر 2015

الثلجة الكبيرة



شاءت الأقدار ان أشهد ثلجتان كبيرتان في موسم الشتاء الحالي، الاولى في فلسطين بداية كانون أول الماضي، والتي نتذكر ايامها بإنقطاع الكهرباء والماء واغلاق الشوارع وكل ما لحق ذالك من مزاودات واتهامات والقاء اللوم على كل من يمكن القاء اللوم عليهم كالبلديات والوزارات والمواطنين والجيران والقطاع الخاص وغيرهم، والثانية كانت منذ عدة ايام في مدينة فيلادلفيا عاصمة أمريكا الأولى واقدم مدن الولايات المتحدة.


ثلجتان خلال شهران في دولتين مختلفتين بالمجمل والتفصيل، او حسب التعريف الأمريكي "المناطق الفلسطينية" وليست دولة وربما من الظلم اجراء هذه المقارنة ولكن بالرغم من ذلك سوف أفعل!

سبر أغوار هاتان الثلجتان انشئ  لدي مفارقات غريبة ومقارنات غير العادلة، ولكن خلاصة التفكير المتشعب انتج لدي نتائج وفرضيات مثيرة للاهتمام والبحث، واليكم البعض اليسير من رحلة التمحيص.
اعلان الارصاد الجوية في فلسطين عن قدوم العاصفة الثلجية لم يؤخذ على محمل الجد، ربما لأننا مازلنا لا نثق تماما بمؤسساتنا لا من منطلق النقد والتجربة بل من ترسبات الصور النمطية التاريخية، أو لقناعة لدينا أن "هذا لن يحصل!"، اما في الولايات المتحدة فإن الموضوع الوحيد الشاغل لبال الاغلبية، وحديث الشارع بغض النظر عن مستوى وثقافة المتحدث هو عن الطقس وآخر التوقعات حول العاصفة الثلجية المقبلة، الجميع يتابع الاخبار حول العاصفة ويثق بما يقال ويصدقه حتى لو كان يعيش في مكان لن تصله العاصفة ابدا، ذكرني مشهد تهافت الأمريكان على السوبرماركت لشراء المونة في الليلة الاخيرة قبل العاصفة الثلجية، بإصطفافنا في المخابز والملاحم والبقالات، المدارس ايضا  اغلقت ابوابها في فيلادلفيا والاسواق لم تفتح  بعد سقوط ما لا يزيد عن 60 سنتيمترا من الثلج وانحسار الموجة الثلجية بعد يوم واحد من وصولها. وعلى غرار مناشدة البلديات والمحافظة الناس ان لا تخرج من بيوتها في فلسطين ناشد حاكم ولاية بنسلفينيا المواطنين الامريكيين عبر التلفاز ان لا يخرجوا من بيوتهم الا للأمور الطارئة، وتعطلت المواصلات والغيت آلاف الرحلات الجوية كذلك، وانقطعت الكهرباء للحظات في الفندق الذي اقيم به، وبقيت وحدي اتجول في الشوارع ابحث عن اي مطعم قريب في مدينة اشباح اتناول فيه وجبة الغذاء.

 وبالرغم من مفارقة الثلجتان، في "دولتين" متباينتين، إلا انه من المؤكد ان الثلج هو نفسه الثلج! سواء بفلسطين أو بأمريكا ولكن نحن دولة محدودة بكل شيء ونرضخ تحت احتلال مرير وهم الدولة العظمى التي تحكم العالم، فلا بد ان يكون هناك فرق! ولكني وبالحقيقة رصدت عدة فروق. 
نعم، انقطعت الكهرباء في فلسطين لبضعة ايام ولكن الكهرباء في امريكا لم تقطع الا لساعات معدودة، وهناك التزم المواطن بالتعليمات حرصا على النظام السائد، اما عندنا فقد خرج المواطنون لإكتساح الثلوج بسياراتهم الخصوصية الصغيرة ظناً من كل واحد فينا انه هو "وليس غيره" معصوم عن التزحلق وان كل من علِق في الثلج قبله فهو لا يتقن السياقة فقط !
خرج الناس في فيلادلفيا بعد اليوم الوحيد للعاصفة التي شلّت مرافق الحياة وأودت بحياة اثنان وعشرين ضحية وهم يشكرون وممتنون لمن اكتسح الثلوج ولمن أوقف الرحلات الجوية حفاظاً على السلامة العامة بالرغم من افتراش الآلاف لأرض المطارات ليومين ، أما هنا فقد اطلقنا موجة غير محدودة من المهاترات والمعاتبات السلبية التي لا ترى الا الجزء الفارغ من المعادلة، ونسينا أو تناسينا أننا حتى نحن كفلسطينيين ومع كل الاعتداد والمبالغة بتقدير الذات لا نستطيع حقا مواجهة الكوارث الطبيعة التي لا يقوى على مواجهتها أحد، حتى أقوى وأعتى دول العالم.

واعتقد جازما، ان القضية لا تتعلق بعدد الآليات أو الجرافات ولا بالكوادر الفلسطينية العاملة والتي من مشاهدتي الشخصية (وليس كخلاصة بحث علمي) تتفوق على الطواقم الامريكية بقدرتها على الانجاز وخاصة في تحمل الصعاب والعمل تحت ظروف الطبيعة القاسية. الموضوع يتعلق بالتوجهات وطريقة التفكير، ربما بعد كل هذه السنوات من الاحتلال والاحباط اعتمدنا من غير وعي او قرار نظرية ردة الفعل العشوائية في كل شيء واصبحنا "نغرق بشبر ماء"  كما يقولون! امتهنا جلد الذات في كل المواقع والحالات، واصبحت ادمغتنا لا تعتمد الا نظرية المؤامرة في كل شيء وقبل ان نقيّم اي نتائج لأي حدث نطلق الاتهامات ونركض الى المسائلة والمحاسبة الشكليّة وغير الحقيقية او الجدية عبر الاذاعات والصحافة والاعلام الاجتماعي.
ولا أقصد هنا ان نعرّض الشعب الفلسطيني بأسره لموجة ثلوج أمريكية ليتفكر في المفارقات ويعيد تقييم الواقع وأخذ الامور بحقائقها، بل علينا ان نعيد بناء منظومة التفكير لدينا، أن نعلم أبنائنا مهارات التفكير النقدي، أن ندفعهم الى البحث والتمحيص وجمع المعلومات وامتلاك المعرفة قبل الإفتاء وإتخاذ المواقف والترويج للاشاعات وتوجيه الاتهامات فقط من أجل إثبات الحضور، دون ان يكون هناك اي متابعة لمحاسبة اي مقصر حقيقي في أي قضية، تتضخم القصص في الفيسبوك وتبدأ بالوعيد والتهديد وتنتهي كفقاعة هواء حين تبدأ الفقاعة التالية وهكذا تواليك.

فالنعلم الجيل الفلسطيني القادم ان يكون ناقدا لاذعاً وغير مهادناً، ان يجري المقارنات العادلة قبل ان يضع الحلول العملية والقابلة للتنفيذ قبل اتخاذ الاجراءات ومتابعتها، والأهم من كل شيء ان نزرع الأمل ونحيي الفكر المتفائل فينا ونعزز النظرة الايجابية للأمور، والتي كانت وستبقى سر صمودنا.

م. عارف الحسيني
aref.husseini@gmail.com






الأحد، 27 سبتمبر 2015

موضة الريادة!


قررت ان اعود للقواعد واغوص في تجارب الآخرين حتى أتعامل مع الموضة، وأكاد اجزم ان كل من تبع موضة الريادة تجاهل أصولها وتبع أموال الممول وجمال المصطلح وبات يردده، ولكننا تجاهلنا أيضا كيف نبني مجتمعا رياديا حقيقيا وليس أوهام في الهواء.
خلِصت في نهاية بحثي الذي بدأته مشجعاً على الابداع العلمي قبل انطلاق موضة الريادة بسبعة اعوام انه وحسب معظم تجارب الاقتصاد في الدول التي صعدت عبر الريادة العلمية والصناعية والتكنولوجية ، على الريادي ان يمتلك الآتي:
ان يؤمن بفكرته حتى النخاع ويكرس لها كل وقته وطاقته، ان يفكر بها بمنظور عالمي منذ اليوم الأول وأن يكون جاهزا لحوار تكنولوجي مع اية جهة قريبة من مجال تخصصه ، أن يفتح عقله لإعادة هندسة منتجات من سبقه وان لا يخترع العجل ابدا، واتضح ان ثلاثة ارباع الرياديين الناجحين في العالم سبق وعملوا كموظفين في شركات ومصانع قبل بدء مشروعهم الريادي واكتسبوا التجربة والخبرة اللازمة في العمل ضمن اطار منظومة علمية منتجة، والأهم من ذلك انه في أغلب الاحيان كان الريادي او الريادية بين الواحد والثلاثين والاربعين من العمر ليمتلك النضوج وبعض الحكمة من جهة وامن الجهة الاخرى الجَلَد على المتابعة والطاقة الكافية للاستمرار حتى النجاح بإطلاق الفكرة الريادية على شكل مشروع يلج الاسواق ويدر الدخل.
اذا، نحن نسير في الدرب الخطأ!

فعلى مستوى الفرد في فلسطين، فإن أغلب من يصنف نفسه كريادي او تصنفه المؤسسات كذلك لم ينهي تعليمه الجامعي بعد، وهو لم يوّلد اي فكرة سابقة سوى فكرة مشروع التخرج في الهندسة او العلوم التطبيقية وهي على الاغلب ليست ملكا له فإما ان استاذ الجامعة طرحها او انه وجدها عبر تصفح الانترنت، اما بالنسبة للشغف والبحث والتطوير الدائم للفكرة الابداعية فإن ذلك بالعادة يكون في اطار الحصول على الشهادة الاكاديمية فقط وينتهي الشغف الملتهب بعدها، بالاضافة لافتقاره لأية خبرة عملية في سوق العمل وامتلاكه للمهارات الانشائية في كتابة الطلبات وبعض المصطلحات الاجنبية والكاريزما الجاذبة خلال العرض، وبالعادة ايضا يتملكه وهم الشهرة والثروة القادمة ولا يرى أمامه سوى ستيف جوبز مؤسس شركة آبل ومارك زوغربرج مخترع الفيسبوك. وهذا كله لا عيب ولا ضرر به ولكن مع غياب الابداع الحقيقي والتربية على الامتياز والريادة منذ الصغر وفي كل شيء، تصبح هذه الحالة حرجة في مواصلة الدرب ولا تفضي لنجاحات بل الى احباط وسوداوية واطلاق اشباه الجمل الرنانة "لا تقدير للابداع في فلسطين" " لا يوجد استثمار هنا " " لو كنت موجودا في الغرب لأصبحت اليوم من عليّة القوم" وينتهي المطاف بسيرة ذاتية فيها مشاركات في مبادرات الريادة وبالنهاية وظيفة عادية في احدى شركات المقاولات في دبي او الشارقة.
اما الجهات الراعية والداعمة فقد جاءت أغلب المبادرات والمشاريع الدعمة للريادة المحلية بعد زوال موضة مشاريع تعزيز الديمقراطية وضمان حقوق الانسان وتحقيق العدالة الاجتماعية والجندر وحقوق المرأة من أجندة الدول المانحة، ووصول اقتصادات الدول الغربية الى حد الاكتفاء بالصناعات التقليدية وضمان الامن الغذائي لشعوبها ونمو الصناعات الحربية والتجارة العالمية النافذة حول النفط والذهب والسلاح الى حدود الاستقرار حيث باتت المعادلة في المبادرة الى الحروب وشنّها وتنشيط الصراعات وادارتها معروفة ومحسوبة وتقليدية.
عليه، اصبحت هذه الدول وغيرها وبوساطات عديدة  توجه حكوماتها وصناديق دعمها للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال  نحو الاستثمار بالريادة الوهمية وذلك لأهداف متنوعة وفي بعض الاحيان متضاربة وغريبة. منها تعزيز السلام بين الشعبين والتبادل المعرفي وتكون الصداقات عبر الاحتضان والاحتواء والعمل المشترك.
الحكومة والنظام السياسي بدوره يؤمن بالنهج الريادي واثره على الاقتصاد وقد تشكل مجلس اعلى يتبع الرئاسة منذ عامين لهذا الهدف وهو يشمل اغلب الوزارات والمؤسسات الرسمية والاهلية، وقبل ايام تشكل مجلس آخر يتبع الحكومة وهو للهدف ذاته،  وربما تشكل كل وزارة مجلس ثالث وكل هيئة مجلس رابع تلبيةً للاحتياجات. ومع ذلك فإن كل ريادي يحتاج خدمة من مؤسسة حكومية مثل تسجيل شركة او شهادة خصم بالمصدر او غيرها فإنه يواجه البيروقراطية والتكاليف الباهظة نفسها التي يجدها كل رجل اعمال مخضرم وثري حين يطلق اعماله.
ومع ذلك لا يوجد نتائج! لم نبييع شركات ريادية ناشئة الى شركات عالمية كبرى بل ولم تشتري شركات محلية كبرى شركات ريادية محلية بل وظفت من ادعى الريادة وقضت على مبادرته، لم نخترق الاسواق المحلية او العالمية بمنتجات حسية او محوسبة، ربما يوجد هناك مبادرات ريادية يمكن حصر عددها على اصابع اليد الواحدة التي نجحت هنا او هناك ولكنها جاءت نتيجة تحمل اصحابها للمخاطر والريادة الفطرية التي يمتلكونا وليس بسبب منظومة الدعم التي يتغنى بها البعض.
 فهل هناك علم جديد للريادة نطوره نحن الشعب القابع تحت الاحتلال وسوف نعلمه للعالم قريبا؟
 في رأيي المتواضع لا يمكن أن ندعي الريادة قبل وصولنا الى نفس درجة الاستقرار والأمن والمعرفة التي وصل اليها من سبقنا الى الريادة وأحرز النتائج، علينا ان نعترف بالواقع ونتواضع وكفانا تسلقا على مصطلح رنان أخذ لغيرنا عشرات السنين من الاستثمار بالتعليم والتشريع حتى بلغوه، علينا ان نعود الى ابسط المشاريع الريادية وننمو معها حتى نبلغ التكنولوجيات الحديثة فنكون من السباقين لابتكارها.
علينا ان نصحو من الوهم ونستثمر بالريادة الزراعية حتى نأكل مما نزرع والريادة الصناعية حتى نلبس مما نصنع وان نسخر التكنولوجيا لخدمتنا وليس لبناء أبراج من الوهم سوف تنهار حال انتهاء الموضة واختراع اصحاب الاختراعات لمصطلح جديد يدور حوله التمويل القادم.
م. عارف الحسيني
aref.husseini@gmail.com